القاضي التنوخي
222
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة
الذين يتعلَّمون منه العلم طول السنة ، فيكون ما يلزم الواحد ، على الواحد منهم ، شيئا يسيرا لا يبلغ خمس ما أسقطه عنه من الخراج بجاهه . ويعود هو فيخرج من ضيعته العشر الصحيح ، فيتصدّق به على الفقراء من أهل الحوز « 1 » ، قريته التي هو مقيم فيها ، وعلى أهل محلَّته ، وكان هذا دأبه في كلّ سنة . فنزل عليّ في بعض قدماته ، فبلغت له مراده في أمر الخراج ، وجلسنا ليلة نتحدّث . فقلت له : يا أبا عليّ أتخاف عليّ مما أنا فيه شيئا ؟ فقال : يا أبا القاسم ، وكيف لا أخاف عليك ، واللَّه ، لئن متّ على هذه الحال ، لا رحت « 2 » رائحة الجنّة . فقلت : ولم ؟ ولأيّ شيء ؟ وإنّما أنا أعمل الحساب ، وأجري مجرى ناسخ ، وآخذ أجري من بيت المال ، أو يجيئني رجل مظلوم ، قد لزمته زيادة باطلة في خراجه ، فأسقطها عنه ، وأصلحها له في الحساب ، فيهدي إليّ بطيب قلبه ، أو أرتفق من مال السلطان بشيء ، ولي في فيء المسلمين قسط يكون هذا بإزائه . فقال : يا أبا القاسم ، إنّ اللَّه لا يخادع ، أخبرني ، ألست أنت تختار المسّاح ، وتنفذهم إلى المساحة ، وتوصيهم بالتقصّي ، فيخرجون ، فيزيدون بالقلم واحدا أو اثنين في العشرة ، ويجونك « 3 » بالتزاوير ، فتسقطها أنت ، وتعمل الجرائد ، وتسلَّمها إلى المستخرج ، وتقول له : أريد أن يصحّ المال في
--> « 1 » الحوز : قرية شرقي مدينة واسط ، ( معجم البلدان 2 / 359 ) . « 2 » راح الشيء : وجد ريحه . « 3 » يجونك : لغة بغدادية في يجيئونك .